الشرق الأوسط

أكاديميُّو لبنان.. صمود لتعذُّر الفِرار

القطاع التربوي في أزمة وجدانية ومالية.. والأساتذة الجامعيون فقدوا مدخراتهم وتقاعدهم

بيروت – علي حمدان-

أُسست دار المعلمين، نواة القطاع التربوي اللبناني عام 1924، واستمرت في إعداد الأساتذة من خلال برامج متنوعة ورفيعة المستوى ومجانية، وزوَّدت المتدربين بمنحٍ شهرية تغطي نفقات سكنهم ومعيشتهم؛ ليبقى المعلم حراً غير تابع لأحد، ويتمكن من زرع الاستقلالية وعدم التبعية في نفوس تلامذته.
توقف عمل دار المعلمين في التسعينيات، وتوقف معه دور المعلم الرسالي، الذي ينطلق في مهمته من حجرة صغيرة تضم 20 طالباً وذهناً وتنشئة وطموحاً، ويتسلل إلى أعماق الطالب ثم الأسرة والشارع والمجتمع والوطن ككل جراء تردِّي الحوكمة في لبنان.
«القطاع التربوي اللبناني مأزوم عموماً، وأساتذة الجامعات يعيشون مأزقاً وجدانياً اليوم»، تقول الأستاذة في العلوم السياسية د.فاديا كيوان، التي تحدثت عن فقدان الأكاديمي اللبناني للحد الأدنى من المقومات الضرورية لحفظ كرامته وضمان نزاهة أدائه وأبحاثه ومكانته كمرجعية قيمية مع انهيار الليرة اللبنانية وقيمة المرتبات السخية التي تطلب التوصل إليها نضال عقدين من الزمن.
وتشاطر د.ندى منذر، التي تقدمت باستقالتها من إحدى الجامعات الخاصة المرموقة أخيراً د.كيوان رؤيتها، وتعلل قرارها بمغادرة البلاد لفقدانها للأمان الوظيفي من جهة، وبتحول لبنان إلى بلد طارد سياسياً واقتصادياً وأمنياً من جهة أخرى. «لا أشعر بقيمتي في لبنان، قامت الجامعة التي عملت فيها لسنوات بطرد أكثر من 50 أستاذاً بشكل تعسفي أخيراً، وقررت اقتطاع %30 من رواتبنا. لقد فقدت الشغف والسعادة المهنية هنا»، تقول منذر التي عبرت عن سأمها من اضطرارها لتقزيم نفسها وقدراتها وطموحاتها على الدوام من أجل الشعور بالاتساق مع محيطها. «لماذا أضحي بعالم واسع مليء بالفرص من أجل البقاء هنا؟ أنتظر انحسار فيروس كورونا للعودة الفورية إلى فرنسا»، قالت جازمة.

تبدد المداخيل والمدخرات

تبدُّد قيمة مداخيل الأساتذة الجامعيين يقابله تبخُّر مدخراتهم ومعاشاتهم التقاعدية، التي تقلصت مما يعادل 4400 دولار شهرياً إلى ما دون الـ600 دولار بحسب المُحاضِر في اللغة الفرنسية السبعيني د.حسن شعيب، الذي فقد ترف العيش برخاء في ظل الانهيار المالي، لكنه لم يفقد مدخراته. «تكلم الناس في السنوات الأخيرة كثيراً عن السرقة والنهب والفساد ورداءة الوضع السياسي عموماً، وما يتداوله الناس يحمل شيئاً من الحقيقة غالباً، ما نمر به الآن نتاج النهب، لكنني استبصرت ذلك قبل حدوثه وقمت باستثمار كل ما لدي في شراء منزلي وقطعة أرض وغيرها من الأصول القيّمة»، يقول شعيب.
يصح وصف ما يعيشه الأساتذة الجامعيون بالمضحك المبكي على حد قول د.هازار الغر، التي تحدثت بتهكم عن مآل الأمور الاقتصادية، التي دفعت بها وبزملائها من الطبقة الوسطى والبحبوحة إلى الفقر في غضون شهور قليلة، وتطرقت إلى تداعيات ذلك وأثره في الحراك العلمي والبحثي اللبناني. «لن نتمكن من السفر للمشاركة في المؤتمرات الأكاديمية بعد اليوم، وسنغيب عن نشر الأبحاث العلمية، فقيمة الرواتب الحالية، وتقلص ميزانية الحكومة للجامعة اللبنانية، سيحول دون تمكننا من دفع تكاليف النشر والسفر بالدولار»، تقول الغر، التي وصفت صمودها وصمود من أسمتهم بـ«الواقعيين» من الأساتذة الجامعيين بالصمود حتى توافر أول فرصة للسفر.
ختاماً، ترى د.كيوان أن قضية الأساتذة الجامعيين هي قضية الوظيفة العامة عموماً في لبنان، وعلى الرغم من تفهمها لميل كُثر إلى مغادرة بيروت بحثاً عن عيش رغيد في الخارج، ووصفها لقرار الهجرة بالقرار الوجداني والشخصي، تساءلت كيوان عن جدوى الأكاديمية إن لم تدفع مريديها الى النضال، لا سيما خلال فترة مفصلية من تاريخ الوطن، التي تحتم على الأستاذ الجامعي أداء دور طليعي. «على الرغم من مشهد التفكك الحالي، تشهد الساحة اللبنانية إعادة تشكل نخب أكاديمية وجيوب مقاومة للتحديات، وكما تمكنوا من العيش برواتب لا تتعدى 200 دولار في السابق فسيتعايشون مع رواتب توازي 500 دولار حالياً»، قالت كيوان مختتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى