الشرق الأوسط

شكوى أمام القضاء الفرنسي ضد النظام السوري.. لارتكابه هجمات كيماوية

شهادات من رجال داخل النظام ومن مدنيين.. ومنظمات حقوقية تدفع باتجاه محاكمة دولية خاصة

 

اعداد أنديرا مطر- 

 

للمرة الأولى يستهدف القضاء الفرنسي نظام الرئيس السوري بشار الأسد بتهمة استخدامه أسلحة كيماوية ضد شعبه.
يتعلق الأمر بهجومين كيماويين نفذا في الغوطة الشرقية، بالقرب من دمشق، خلال أغسطس 2013.
تشكل هذه الشكوى جزء من ملف النظام السوري المثقل بجرائم أخرى مثل التعذيب والاختفاء القسري وهي تواكب دعوى أخرى مماثلة بدأت في ألمانيا في نهاية أكتوبر 2020.

«ممارسة منهجية»
وتكشف الدعوى المعززة بشهادات عدد من الناجين، وبشهود من داخل الجهاز الأمني، إضافة الى تفارير منظمات عدة، بما فيها مركز توثيق الانتهاكات، (VDC)، عن استراتيجية النظام السوري لاستعادة الأراضي الخارجة عن سيطرته.
وخصصت صفحات كثيرة لشهادات عن حالة السكان المحاصرين بين قبضة نيران المدفعية وهجمات السارين.
ويستحضر شاهد عيان الأجساد الخاملة في الطرقات، والجثث المكدسة في المستشفى، ناهيك عن النساء والأطفال والرجال الذين يختنقون ويلتفون ويتقيئون.
بالنسبة إلى المدعين، تندرج العناصر السياقية والمادية والمتعمدة ضمن «الجريمة ضد الإنسانية» كما حددها قانون العقوبات. وتعتقد محامية الضحايا جين سلزر أن هذه الهجمات نفذت بناء على خطة منسقة لترويع السكان المدنيين المعارضين للحكومة السورية. ويؤكد مدير المرصد السوري للإعلام وحرية التعبير مازن درويش أن «الهجوم الكيماوي لم يحدث مرة واحدة، ولا نتحدث عن خطأ وانما عن ممارسة منهجية».

الحكومة السورية «لا تزال تشكل تهديدا»
في تلك المرحلة، كان التهديد بالتدخل الغربي في سوريا قد انتهى. على الرغم من أن اعتبار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بأنه تم تجاوز «الخط الأحمر». كانت باريس على أهبة الاستعداد للتدخل لكنها رفضت الذهاب بمفردها بعد انكفاء واشنطن ولندن.
توصل الروس والأميركيون إلى اتفاق في سبتمبر 2013 يلزم سوريا على الانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، مع تعهد بالقضاء على ترسانتها. وبدأت عملية تدمير واسعة يمولها وينفذها الغرب في الغالب. لكن النظام يكذب بشأن الحالة الحقيقية لترسانته.
تشير محامية الضحايا جين سيلزر إنه منذ عام 2013، وضعت فرنسا نفسها في موقع قيادي فيما يتعلق بمسألة الأسلحة الكيميائية، وسيكون من المفاجئ أن يتم إعاقة الشكوى بطريقة ما.
اتخذت باريس عقوبات ضد النظام، وشرعت في إصلاحات داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مما أتاح لها التحقق وكشف مرتكبي الهجوم الكيماوي وليس المراقبة فحسب. كما أنشأت باريس أيضًا الشراكة الدولية ضد الإفلات من العقاب على استخدام الأسلحة الكيميائية، وهي مبادرة دبلوماسية تركز على عقوبات متعددة. وفي سبتمبر 2020، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على التصلب الفرنسي ازاء استخدام الكيماوي.
وفق هادي الخطيب مدير المنظمة غير الحكومية «الأرشيف السوري»، التي تجمع وتوثق وتحلل الصور ومقاطع الفيديو المنشورة على الإنترنت من قبل أطراف الحرب في سوريا، فإن «الحكومة السورية» لا تزال تشكل تهديدًا على المدنيين، فضلاً عن الأمن والسلم الدوليين.

البحث عن ثغرة
بالتزامن، قامت عدة منظمات غير حكومية بتقديم تقرير دقيق ومفصل إلى عدة هيئات تحقيق وطنية ودولية حول عمل البرنامج الكيميائي السوري ولا سيما مركز الدراسات والبحوث العلمية الذي تسبب في وفاة مئات المدنيين منذ عام 2011. وتحث هذه المنظمات القضاة الفرنسيين على «مشاركة المدعي العام الالماني في التحقيق المشترك في الهجمات على الغوطة الشرقية».
يقول ستيف كوستاس، من «مبادرة عدالة المجتمع المفتوح»، إنهم يطلبون من الفرنسيين والألمان تجميع مواردهم وأدلتهم حتى تكون الملفات جاهزة «بمجرد إلقاء القبض على هؤلاء المسؤولين السوريين».
تتعاون الوحدات القضائية الفرنسية والألمانية الخاصة بجرائم الحرب بشأن مذكرات توقيف بتهمة التعذيب صدرت في عام 2018 ضد جميل حسن، رئيس المخابرات الجوية السورية السابق. يمكن تقديم المزيد من الشكاوى المتعلقة بجرائم الأسلحة الكيماوية أمام قضاة في دول أوروبية أخرى، والتي، مثل فرنسا وألمانيا، يمكن أن تفتح قضايا بموجب الولاية القضائية العالمية، مما يسمح لها بمحاكمة مرتكبي الجرائم الأجانب في الخارج.
لسنوات، حاول المحامون والمنظمات غير الحكومية والدبلوماسيون إيجاد ثغرة تسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم في سوريا. استحالة إحالة هذه الجرائم الى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب فيتو روسيا، دفع بالسوريون في المنافي، للتوجه إلى المحاكم الأوروبية مدعومين بقضاة وهيئات حقوقية اجنبية. ويطالب مازن درويش بضرورة تعاون هذه الدول لإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة الجناة.

الإفلات من العقاب
بالنسبة إلى الأميركي ستيفن راب، رئيس لجنة العدالة والمساءلة وهي منظمة توثق أدلة على انتهاكات النظام السوري، سيكون من الضروري «أن تطلب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الدول اتخاذ تدابير لتطبيق معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي انتهكتها سوريا». علماً أن المنظمة انشأت بالفعل فريق تحقيق لتحديد مرتكبي الهجمات الكيماوية، كما وقعت بروتوكولًا مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة مسؤولة عن جمع الأدلة على الانتهاكات وحفظها وتحليلها.. وتدافع باريس عن قرار أيدته نحو 40 دولة ويهدف إلى تعليق حقوق سوريا داخل المنظمة. ومن المقرر مناقشته قريبًا في اجتماع في لاهاي.
لكن يبقى السؤال الأساسي هو الإفلات من العقاب. يقول ستيفن راب: «عندما يكون النظام هو السلطة، ولديه حلفاء أقوياء، يصبح من الصعب للغاية القبض على الجناة الرئيسيين».
بحسب محامو الضحايا، فإن معظم الأوامر المتعلقة بهجمات 2013 صدرت من ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري الذي كان قائد لواء المشاة 2، إحدى وحدات الفرقة الرابعة المسؤولة عن العمليات في الغوطة الشرقية. وتشير المحامية سيلزر أن «الهجمات الكيماوية في الغوطة تحمل توقيعًا عسكريًا سوريًا: وجود مادة الهيكسامين وسداسي فلوريد الفوسفور في تركيبتها».
وهذا الامر تعززه شهادات من داخل النظام. يدعي أحدهم أن العميد غسان عباس، رئيس الفرقة 450 في مركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، أشرف شخصيًا على اطلاق صواريخ كيماوية على الغوطة الشرقية، بأوامر مباشرة من ماهر الأسد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى