الشرق الأوسطتقارير

لبنان: الدولار إلى العشرة آلاف.. والشعب إلى الشارع

قطع طرق وحرق دواليب وإقفال محال صيرفة بالقوة

بيروت – أنديرا مطر

على وسائل التواصل الاجتماعي يتداول ناشطون لبنانيون منشوراً هزلياً سوداوياً يفيد ان الروائي الفرنسي الراحل فيكتور هيغو ينوي زيارة لبنان بهدف انجاز الجزء الثاني من روايته «البؤساء». والداعي الى الزيارة المتخيلة هذه، انما هو تشابه أوجه البؤس في الزمن اللبناني الراهن وذاك الذي عاشته باريس ما بعد سقوط نابليون عام 1815 وقيام الثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب عام 1832.
لا تنفك صور الجحيم اللبناني تتوالى منذ اكثر من عام. فيما ضجيج المناكفات السياسية يعدُ اللبنانيين بالمزيد منها في المقبل من الأيام.
وللجحيم اللبناني عنوان واحد: فقدان العملة الصعبة التي تدير كل شؤونهم الحياتية، حيث سجل سعر صرف الدولار في السوق السوداء رقماً قياسياً جديداً، وبلغ عشرة آلاف ليرة للدولار الواحد وذلك بعد ساعات على إعادة فتح بعض القطاعات الاقتصادية ومع اقتراب المهلة التي منحها مصرف لبنان للمصارف لزيادة رأسمالها.
وما كاد خبر ارتفاع سقف الدولار إلى حدود العشرة آلاف ليرة ينتشر حتى بدأت التحركات الشعبية في مناطق عديدة. فاعتبارا من صباح أمس، قطع محتجون الأوتوستراد الذي يربط طرابلس ببيروت عند جسر البالما والطريق عند ساحة عبد الحميد كرامي، ولاحقا نزل محتجون وقطعوا الطريق في سعدنايل البقاعية. وفي تعلبايا قطع محتجون الطريق العام وتم تحويل السير إلى الطرق المجاورة وعملت القوى الأمنية على إعادة فتحها.
وفي الجنوب نزل عدد من المواطنين وعمدوا إلى قطع الطريق العام على بولفار جديدة مرجعيون لبعض الوقت. كما عمد شبان الحراك في مدينة صيدا الى اشعال الاطارات في ساحة ثورة 17 تشرين عند دوار ايليا. وعمد محتجون الى اقفال محال الصيرفة بالقوة، معتبرين أنه «بسبب تلاعبهم باسعار صرف الدولار وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه».
وشهدت طريق وادي هاب زحمة سير خانقة نتيجة قطع الطرق وتحويل السير نحو الطرق الفرعية.
وقرابة الرابعة قطعت مجموعة من المحتجين طريق عام شتورا-تعلبايا فيما أقفلت محال الصيرفة. وأفيد أن مجموعة من الشبان الغاضبين قطعوا بالإطارات المشتعلة، طريق رياق بعلبك الدولية، وعلى طريق المطار القديمة مقابل مستشفى الرسول الاعظم تم قطع الطريق بالاتجاهين، اما في بيروت فتمّ قطع اوتوستراد الرينغ بالاتجاهين، وكذلك طريق بشارة الخوري واوتوستراد فردان ـ بيروت. ولاحقا، قطع محتجون الطريق في ساحة الشهداء عند مسجد الأمين بالاطارات المشتعلة والحجارة، كما تم قطع طريق الدورة باتجاه الشمال بشكل كامل بالاطارات المشتعلة.

مزيد من الخسارة

رجل الاعمال اللبناني بهاء الحريري، دعا إلى تنفيذ خطة إصلاحية شاملة بعد أن تجاوزَ الدولار سقفَ العشرة آلاف ليرة. فتراجع سعر الليرة مقابل الدولار، يعني مزيدا من خسارة اللبنانيين لقيمة رواتبهم. وبعدما كان الحد الأدنى للأجور يوازي 450 دولاراً (بحسب سعر الصرف الرسمي)، تدنت قيمته اليوم ليصبح اقل من 70 دولاراً. وهو رقم قياسي لم يشهده سلم الرواتب في لبنان منذ الثمانينيات.
التراجع أصاب أيضاً الرواتب العليا فانخفض راتب المدير العام في الدرجة الأولى من 3000 دولار إلى 478 دولاراً. اما رواتب موظفي الفئات الأولى وهي الأعلى في سلم الرواتب فتراجعت الى حدود 900 دولار بعدما كانت قبل اندلاع الازمة تقارب الستة الاف دولار.

فرار عسكريين

توازيا، تتوالى المؤشرات عن اقتراب شبح الأزمة الاقتصادية من الأجهزة الامنية ومن القوى العسكرية، التي تسجل حالات فرار عديدة من صفوفها، بعد تراجع رواتب وتعويضات العسكريين من مختلف الرتب والدرجات. وتشير دراسة للدولية للمعلومات الى أن راتب اللواء، وهو الرتبة الأعلى في القوى الأمنية «بعد رتبة العماد في الجيش» اصبح يقارب 900 دولار بعد ما كان بحدود 5500 دولار، أما راتب الجندي في الدرجة الأولى، وهي الأدنى، فقد أصبح 130 دولاراً بعدما كان سابقاً 800 دولار.
وناهيك عن وباء كورونا، خطر صحي آخر يتهدد اللبنانيين مع اقتراب المستشفيات من اعتماد تسعيرة المنصة المحدّد بـ3900 ليرة، وليس 1500 كما كان معتمدا سابقا. وذلك بعد تحويل نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة في لبنان، سليمان هارون، مجموعة من الكتب التي عمّمها على الجهات والصناديق الضامنة، يطالب فيها باعتماد تسعيرة دولار المنصة.
على ضوء الشموع
ومن تداعيات شح العملة الصعبة، شح مادة الفيول، الذي تسبب بانقطاع للتيار الكهربائي لساعات متواصلة تجاوزت الـ15 ساعة في العاصمة بيروت ومناطق أخرى. وبرزت أزمة شحّ في مادتي البنزين والمازوت دفعت بأصحاب المولدات الكهربائية لاعتماد التقنين، فلم يبق امام المواطن سوى اضاءة الشموع.
وفي سياق مرتبط بالشح بالمحروقات، رفعت عدة محطات للوقود خراطيمها معلنة نفاد مادة البنزين لديها.
هذا فيما ينتظر من إعادة فتح بعض القطاعات ان تخفف من وطأة الجمود الاقتصادي، لكن جولة على أسواق بيروت تشي بعكس ذلك. الحركة شبه معدومة، خصوصا في متاجر الثياب التي لم تعد من اولويات اللبنانيين.

سردين مدعوم

الصورة لا تقل سوداوية في متاجر الأغذية. أغلب الماركات العالمية اختفت عن الرفوف أو بدلت في احجام منتجاتها لتتناسب وقدرة اللبنانيين الشرائية. ومن يبحث عن السلع المدعومة كمن يبحث عن ابرة في كومة قش، رغم اعلان مصرف لبنان انه مستمر في سياسة الدعم، وأن مرحلة الترشيد لم تبدأ بعد.
إعلامية لبنانية روت لـ القبس ما حصل معها في احد المتاجر الكبرى، وقالت: «انهيت شراء ما احتاجه وتوجهت الى الصندوق للمحاسبة. كان أمامي رجل في الثمانينات من عمره، محني الظهر، يمسك بربطة خبز و6 علب سردين.. فهمت من السجال الدائر بينه وبين موظفة الصندوق ان قرار الإدارة يمنع عليه شراء هذه الكمية من السردين «لأنه مدعوم» طالبة منه ترك 3 علب لغيره.
تقول الإعلامية ان قلبها تقطع، وهي تسمع الرجل يتوسل الموظفة السماح له بأخذ علب السردين، لأنه غير قادر على شراء شيء آخر سواها، فما كان منها الا اعتماد المناورة التي يلجأ اليها كثر على صناديق الدفع. تسجيل الكمية المرفوضة على حسابها ومن ثم تعطى للشاري الأساس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى