تحليلات

كيف أتاحت التكنولوجيا تقدماً في العمل الاستخباراتي؟

علي حمدان –

في الخامس والعشرون من سبتمبر الماضي، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المواجهات الكبيرة القادمة في الفضاء السيبراني، لكنه قدم الحل في الوقت نفسه، مقترحاً إتفاق كلُّ من واشنطن وموسكو على تعهدهما بعدم إقدام طرف على التدخل في شؤون الآخر الداخلية كالانتخابات وحملات الاختراق الرقمية.

كلام بوتين نشر في صحيفة «ذا إيكونومست» التي لم تستبعد أن يكون قراصنة موسكو قد قاموا بتهكير أكثر ملفات واشنطن حساسية خلال إدلائه بكلامه عن إتفاق البلدين على عدم القيام بذلك.

مجموعة قراصنة

في هذا الوقت يؤكد أميركيون رسميون بأن مجموعة قراصنة معروفة بآسم «آي بي اي 20»، أو «الدب اللطيف»، أحد أذرع الاستخبارات الروسية على الأرجح قد تكون وراء إختراق عدة مواقع حكومية حساسة من ضمنها وزارة الخزانة الأميركية وغرفة التجارة في واشنطن ومؤسسات أمنية وصحية عديدة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تمكنوا من الإطلاع على كافة الرسائل الإلكترونية الواردة الى هذه المؤسسات والصادرة عنها، بالإضافة الى «الداتا» التي تختزنها أجهزتها. إنها، وبحسب «ذا إيكونومست» الأميركية، أحد أكبر الإعتداءات الرقمية على واشنطن على الإطلاق.

ترجح التحقيقات أن يكون التهكير قد حصل بين شهري مارس ويونيو الماضيين، هذا ما أكدته شركة «سولار ويندز» المتخصصة بتقديم خدمات مراقبة وحماية أنظمة تشغيل المؤسسات المنظمات الرقمية.

المقرصنون تمكنوا من تقمص نظام تشغيل هذه المؤسسات رقمياً والعبث بشبكاتها ومحتوياتها، حيث قاموا بالإستحواذ على خزان معلومات حساسة دون إثارة أي شبهات من قبل الشركة الموكلة بأمنها السيبراني.

«إنه إختراق رقمي عالي الدقة»، بحسب «فاير آي» المختصة بالأمن السيبراني، والتي كانت بدورها ضحية الهجوم الذي يحمل بصمات روسية.

إستناداً الى معلومات وتحليلات «سولار ويندز» فإن حوالي 18 ألف عميل قد تمت إختراق ملفاتهم وتعرضوا لأضرار بدورهم جراء عملية القرصنة هذه.

من الصعب على أميركا الرد على هكذا حملة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية التي كانت قد جردت السيد كريس كريبس، مدير وكالة الأمن الوطني السيبراني الأميركية من منصبه في السابع عشر من نوفمبر الماضي على خلفية تصريحاته المشيدة بنزاهة الإنتخابات الرئاسية.

بحسب المقالة التي نشرتها «ذا إيكونومست»، فإن الوكالة الأميركية للأمن الوطني السيبراني قد بذلت أقصى ما لديها في مواجهة الغزو الرقمي الأخير.

على مدى السنوات العشر الماضية لجأت الولايات المتحدة الأميركية الى فرز الهجمات السيبرانية التي تعرضت لها وقامت بالرد على كل واحدة منها بحسب أهدافها، فأجازت على سبيل المثال التهكير الرامي الى التجسس والإستحواذ على معلومات ومراسلات سرية واضعةً إياه في إطار السلوكيات السياسية العادية بين الدول، لا سيما أن وكالة أمن واشنطن القومية بحد ذاتها تقوم بذلك وهي ترتقي الى مرتبة اللص المحترف في هذا المجال.

وبعيد قيام بكين بسرقة ملفات أمنية أميركية في غاية الاهمية عام 2015، وصف مايكل هايدن المدير السابق لوكالة الأمن القومي السيبراني الأميركية العملية بالعمل التجسسي المشرف والمحترف يومها.

في المقابل، ردت أميركا على الإعتداءات الرقمية الهادفة الى إلحاق الأذى بواشنطن، كآختراق كوريا لـ«سوني بيكتشرز» عام 2015، واختلاس الصين لبراءات آحتراع أميركية وأسرار صناعية أميركية وغيرها من الإعتداءات السيبرانية التي صنفتها واشنطن كتخط للخطوط الحمراء، بفرض عقوبات على منفذيها في كل من كوريا والصين ورسيا وإيران.

أهداف تجسسية

إلا أن محاولة تحويل ما اصطُلح على اعتباره معهوداً في الصراعات السياسية بين الدول الى ساحة صراع فوضوية باء بالفشل. التفريق ما بين الخرق الشريف والمتقن بدقة ونقيضه ليس بالأمر السهل.

فإذا كانت سرقة مستند يصف سياسات تنوي الحكومة انتهاجها حلالاً، لماذا لا تكون سرقة التركيبة الكيميائية للقاح ابتُكر حديثاً حلال هي الأخرى؟

الخيط الفاصل ما بين التجسس الحميد والتجسس الرامي الى إخضاع الآخر رفيع الى حد اللا-مرئية، هل تقوم روسيا بقراءة المراسلات الدبلوماسية من أجل فهم سياسات خصمها أم من أجل نشرها؟ إن تساؤلات كهذه باتت مشروعة، تقول ذا إيكونومست.

غااباً ما تكون معظم الهجمات السيبرانية ذات أهداف تجسسية، لكن التجسس في العصر الرقمي يتيح الإستحواذ على كميات هائلة من المعلومات لم يكن من اليسير تجميعها قبل ولوجنا عصر التكنولوجيا، وبالرغم من أن واشنطن أحد أكبر المستفيدين من الثورة التكنولوجية والإستخباراتية هذه، إلا أنها ضحيتها في الوقت عينه، ضحيتها الغير متسامحة، هذا ما أثبتته السنوات الأخيرة.

«نظرة الأميركيين تجاه ما هو مقبول سيبرانياً تغيرت بعض إختراق الصين لملفات أمنية أميركية حساسة عام 2015»، يقول ماكس سميتس، الباحث في سيكيورتي ستاديز سنتر في زورخ.

فالتهكير التجسسي الواسع النطاق أصبح غير مقبول من قبل الإدارة الأميركية على الأغلب بحسب السيد سميتس، «لكن حظر الشيئ مختلف تماماً عن القدرة على إيقافه، إذ أن إيقاف هكذا أعمال أمر شبه مستحيل إستخباراتياً وتكنولوجياً»، تقول جوشوا روفنر الأستاذة المحاضرة في جامعة واشنطن. لن تؤدي التهديدات ولا الوعود الى إحجام الخصم عن محاولته تجميع ما يمكن من معلومات حول خصمه. وأميركا بحاجة الى تبني إجراءات أكثر صرامة، تخلُص المقالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى