قصة اليوم

بعد 19 عامًا من الإعتقال..أسير فلسطيني يعيد اكتشاف الحياة

جان ماري توما-

بعد قرابة عقدين في السجون الصهيونيّة، في اليوم الأخير من عام 2020، تم إطلاق سراح مالك بكيرات من سجن النقب. خرج إلى عالم مختلف عما كان عليه قبل اعتقاله في سن 22 عامًا.

أكّد مالك أنّ نعمة الصبر التي يتحلّى بها الأسرى هي هبة من الله، فالصبر كان الشعور الوحيد الذي مكّنه من الاندماج من جديد في العالم الخارجي منذ الإفراج عنه، لاحتضان ابنته الوحيدة لينا ووالده.
السلطات الصهيونيّة منعته من مقابلة أبيه طوال السنوات الخمس الماضية.

إطلاق سراحه جلب له البهجة، ولكن في الوقت نفسه شعر بالصدمة والعزلة مع مرور الوقت والتغييرات التي حدثت والأجيال التي نشأت عندما كان وراء القضبان.
وصف بكيرات حالته لموقع «Middle east eye» من مسقط رأسه صور باهر، قائلًا: «يبدو الأمر كما لو كنت ميتًا ودُفنت في قبر، وبعد 19 عامًا، حفروا قبري وأخبروني أن أعود للحياة مرة أخرى بعد الموت…هناك منازل جديدة. مقبرة البلدة ممتلئة الآن. أنا مثل طفل تعلم مؤخرًا المشي؛ ما زلت أتدرب على المشي صعودًا وهبوطًا، لأننا في السجن كنا نسير فقط في ساحة صغيرة على أرض مستوية».

تفاصيل سجنه
في اليوم الأخير من عام 2001 خلال الانتفاضة الثانية، اعتُقل بكيرات واتُهم في ما بعد بتشكيل خليّة لتنفيذ عمليات ضد قوات الإحتلال في القدس. وقال إنّه يعتقد أن الأحكام الصادرة بحقّه وأصدقائه كانت مفرطة.

وتابع بكيرات «لا يوجد إنسان على وجه الأرض يريد أن يدخل السجن، ولكن ما دام هناك احتلال فهناك مقاومة، وبالتالي فإن المصير هو السجن». وروى إنه خلال فترة احتجازه، عاقبته السلطات الصهيونيّة عبر نقله المتكرر من سجن إلى آخر ووضعه في الحبس الانفرادي. لكن على الرغم من كلّ المصاعب، قال إنه لُقِّبَ بـ«أبو التفاؤل»، كما شارك في خمسة إضرابات جماعية عن الطعام على مر السنين.

لقاؤه مع ابنته
قبل سجنه، كان بكيرات مسعفًا في عيادة مجمّع المسجد الأقصى، حيث كان متطوّعًا مقابل مبلغ رمزي. عندما تم القبض عليه في عام 2001، لم يكن يعلم أن زوجته كانت حامل بطفلتهما الأولى، والتي تفاعلت معه في جميع المناسبات باستثناء مناسبتين في السنوات الـ19 الماضية، خلال زيارات عائلية من وراء حاجز زجاجي سميك.
عندما كانت ابنته تبلغ من العمر أربع سنوات، انفصل وزوجته، وعاشت الطفلة مع أجدادها من الأب. جلست لينا بجوار والدها، وراقبت ملامحه واستمعت باهتمام وهو يتحدث عن حياته وتجاربه. ووصفت لينا لحظة عودته إلى الوطن، قائلةً «كانت أجمل لحظات حياتي ولن أنساها أبدًا ما دمت على قيد الحياة». وأضافت أنها شعرت وكأن حياتها منقسمة إلى فترتين: قبل وبعد إطلاق سراح والدها من السجن. «الجزء المفقود من حياتي قد اكتمل الآن».

تاريخ من النضال تحمله هذه العائلة
لبكيرات وعائلته تاريخ طويل من النضال بوجه الاحتلال الصهيوني. اعتُقل والده ناجح بكيرات، وهو شيخ معروف بين الفلسطينيّين، يشغل منصب نائب مدير الأوقاف الإسلامية في القدس، في مناسبات عديدة بسبب نشاطه المحيط بالمسجد الأقصى.

منذ إطلاق سراح ابنه، يتلقى ناجح بكيرات مكالمات هاتفية متتالية من أفراد الأسرة والأصدقاء لتهنئته على حرية مالك التي طال انتظارها. قال الرجل المسن لموقع «Middle east eye»: «عندما رأيت مالك يدخل فناء المنزل ورأسه مرفوعًا ووالدته تجري نحوه لتحتضنه، لم أستطع السيطرة على نفسي وانفجرت بالبكاء».

لدى الإفراج عن بكيرات من سجن النقب، أعادت المخابرات الصهيونيّة اعتقاله ونقله إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس واستجوابه لمدة ثلاث ساعات وتمّ احتجازه حتى اليوم التالي. كما تم اعتقال والده في اليوم التالي واقتيد إلى نفس مركز الاستجواب حيث التقى الاثنان.
وبعد ساعة من إطلاق سراحهما داهمت قوات الاحتلال منزلهما في صور باهر وأعادت اعتقال ناجح بكيرات، الذي أخبر «Middle east eye» أنّ المخابرات الصهيونيّة استجوبته بشأن الاحتفال الذي نظّمه هو وعائلته في فناء منزلهم لاستقبال مالك.
وقال ناجح بكيرات:«فضّلت السجن على الحرية في تلك الليلة لأنهم يريدون أن يكون السجين المفرج عنه عديم القيمة، وأن تُغلق أبواب منازلنا في وجه المهنّئين. أنا لا أقبل ذلك». بعد ساعات، تم إطلاق سراحه بشروط الإقامة الجبريّة لمدة أسبوع واحد وغرامة قدرها 5000 شيكل (1600 دولار) بتهمة انتهاك قيود كورونا.
روى ناجح بكيرات أنّ اضطهاد الكيان الصهيوني للعائلة مستمر منذ حوالي 40 عامًا. تم اعتقاله 15 مرة وقضى ما مجموعه سبع سنوات في سجون الإحتلال. كما تلقّى 24 أمرًا بمنعه موقّتًا من دخول المسجد الأقصى ومكتبه القريب، لمدة إجمالية تصل إلى تسع سنوات. وقال إن «سلطات الاحتلال لا تعجبها كيفيّة فضحي لسياساتها تجاه الأقصى، لذا فهي تستهدفني وجميع أولادي لأننا نحب القدس والأقصى وندافع عنهما».
واستذكر الوالد، عندما اعتُقِلَ ابنه مالك، في عام 1997، أي قبل الإعتقال الأخير الذي دام 20 عامًا، واحتجز لمدة خمسة أشهر رهن الاعتقال الإداري، وهي سياسة مثيرة للجدل يستخدمها الكيان الصهيوني لسجن الفلسطينيين دون محاكمة أو تهمة.

أخيرًا، عند العودة إلى المنزل، لم تترك ابتسامة بكيرات وجهه أبدًا. وقال إن أمنيته الوحيدة هي زيارة المسجد الأقصى المغلق الآن بسبب إجراءات محاربة كورونا. «إنني أنتظر بفارغ الصبر دخول المسجد وأداء الأذان هناك. فأنا عُرِفت أيضًا بلقب “مؤذّن الأسرى” حيث كنت أؤذن للصلاة في جميع السجون التي كنت فيها».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى