تحليلات

هل تريد الصين قيادة النظام العالمي مستقبلاً؟

علي حمدان –

هل يسعنا القول بأن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم يعني ما يقوله حقاً؟، من شأن الإجابة على هذه الأسئلة أن توصلنا إلى أهداف بكين الاستراتيجية للعقود المقبلة.

المحللون الاستراتيجيون الأميركيون يعتبرون بأن الصين تريد الإنجاز، لكنها لا تعرف ماهية هذا الإنجاز بعد، فالقادة الصينيون ما زالوا مشتّتي الرؤى، بحسب واشنطن.

في المقابل يجزم خبراء صينيون، بحسب بلومبيرغ، بأن الحكومة الصينية تسعى إلى إزاحة أميركا جانباً وقيادة النظام العالمي في الأعوام المقبلة.

لا نحتاج لمحللين وخبراء ودراسات كثيرة من أجل التوصل إلى هذه النتيجة، فكبار القادة الصينيين وأعضاء الحزب الحاكم البارزين، باتوا يجاهرون مؤخراً بنوايا بكين القيادية والتعديلية.

ففي مؤتمر الحزب الحاكم التاسع عشر، والذي عُقد في أكتوبر من العام 2017، قام الرئيس الصيني جين بينغ بالتلميح إلى ما أسلفنا ذكره.

لقد عبر خطاب بينغ إياه عن سياسة الحزب الحاكم وأهدافه بكل وضوح، وفنّد ما استطاعت الصين تحقيقه حتى الآن، وما تطمح إليه مستقبلاً، معلناً بأن بلاده نهضت وأصبحت ثرية وقوية، وتقوم بمساعدة الكثير من الدول النامية، من خلال مشاركة حكمتها في الإدارة معهم، وتدريبهم على مقاربة الأمور بالطريقة الصينية، لإيجاد الحلول المناسبة للتحديات المحدقة ببلادهم والإنسانية جمعاء.

«مع حلول العام 2049 سوف تقود الصين العالم على كافة الصعد، سوف تكون الصين قوية على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الدولي، وستقوم ببناء نظام دولي مستقر ومؤثر»، بهذه الكلمات وصف الرئيس الصيني رؤية بلاده في المؤتمر إياه.

ركيزتان استراتيجيتان

ووفقًا لوكالة بلومبيرغ، فإننا في ضوء ذلك نستطيع الاستنتاج، بأن عدم تعاون الصين في القضايا العالمية، يعود لعملها على وضع قوانين النظام العالمي الجديد الذي تطمح إليه، والذي يتمحور حول ركيزتين من السهل التعرف عليهما عبر التأمل في سياسات بكين الخارجية.

فمن ناحية، تنظر الصين بارتياب إلى النظام العالمي القائم، ومن ناحية أخرى يدرك القادة الصينيون بأن لا بديل عن نظام التجارة العالمي الحالي، من أجل نهضة البلاد اقتصادياً وعسكرياً.

وترى بكين أن التحالفات الأميركية لا تهدف إلى حفظ السلام والإستقرارالعالميين، بل إلى إضعاف قدرات الصين والحؤول دون نموها وازدهارها.

من هذا المنظور، يرى الصينيون بأن مناداة الولايات المتحدة الأميركية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لا تعبر عن سموٍ في الأخلاق والقيم الإنسانية، بل أنها لا تعدو كونها بروباغندا، تسعى إلى الحد من صعود الحزب الشيوعي الصيني، ونزع الشرعية عن حكومة بكين، من خلال دعم أعدائها محلياً وإقليمياً.

في هذا السياق، تعتبر الصين المنظمات والمؤسسات الدولية المدعومة من قبل أميركا، مجرد أدوات تستخدمها واشنطن لإضعاف خصومها والدول الضعيفة.

و يقول ناديج رولاند، الباحث في المركز الوطني الآسيوي للبحوث: «الحزب الشيوعي الصيني يدرك بأن النظام الدولي الليبيرالي قد أتى بالفائدة للعالم على صعد عدة، لكنه يكره المبادئ الأساسية والنوايا الخفية التي بُني عليها»،

الركيزة الثانية تتمحور حول ضرورة تغيير النظام العالمي بشكل جذري، لتمكين الصين من الازدهار وتحقيق أمنها القومي.

القادة الصينيون ضبابيون بعض الشيء في وصف النظام العالمي الذي يطمحون إليه، لكن ملامحه بدأت بالظهور.

وتقول الخبيرة في الشؤون الصينية ليزا توبين: «التبحر بالدراسات الصينية والتصريحات الصادرة عن الرئيس الصيني وغيره من المسؤولين الصينيين، يشي بنظام عالمي قوامه التشبيك والتحالفات الإقتصادية والسياسية المتمحورة حول الصين لا حول الولايات المتحدة»،.

في هذا الوقت، يتكلم خبراء استراتيجيون وأكاديميون صينيون بشكل واضح عن بناء نظام عالمي جديد تقوده الصين.

ومن شأن الكلام على نظام عالمي جديد بقيادة صينية، أن يؤسس لأجندة جديدة وتغييرات جذرية في التوازنات الجيوسياسية الحالية.

وكما قال الرئيس الصيني قبل أعوام، فإنه يتحتم على الصين العمل من أجل مستقبل تمسك فيه بزمام المبادرة، وتكون فيه صاحبة اليد العليا.

تخطيط جيوسياسي

لا يجدر بنا تصديق كل ما يقوله الساسة، ولا يجدر بنا الأخذ بإدلاءات رؤساء البلاد وتصريحاتهم بجدية مفرطة، لكن فيما يخص بكين الأمر مختلف، فقادة البلاد في الواقع يقومون بالتصريح عن القليل مما تقوم حكومتهم بإنجازه فعلياً.

الصين لا تتصرف كدولة تفتقر للتخطيط الجيوسياسي، و برنامج صناعتها للسفن التجارية والحربية، واستعراضها لعضلاتها و قواتها العسكرية في القطب الشمالي والمحيط الهندي وغيرها، وسعيها للسيطرة على الصناعات التكنولوجية حول العالم، ودعمها الممنهج للأنظمة السلطوية وإعادة إحيائها لطريق الحرير الرابط ما بين القارات، كلها أمور تدل على ذلك.

في المحصلة، قد تفشل الصين في تحقيق أهدافها، وقد تنجح نتيجة إضعاف جائحة كورونا للولايات المتحدة الأميركية والغرب بشكل عام من جهة، وتعزيزه لصعود التنين الصيني من جهة أخرى.

أو لعل الصين مقبلة على أزمات داخلية ومقاومة عالمية لصعودها مما قد يفضي إلى تبدد آمالها بحكم العالم.

أما بالنسبة للسؤال «ماذا تريد الصين؟»، تقول بلومبيرغ أن قيام خصم قوي وفخور بإنجازاته، بالمجاهرة بطموحاته العالمية والتسويق لها، يحتم على الأميركيين أخذ ذلك على محمل الجد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى