تقارير

منظمات المجتمع المدني رديفة للحكومة في لبنان

السياسيون يشكون أحوال البلاد.. وهي تداوي جراح المواطنين

بيروت – علي حمدان

«يا ريت منظمة الصحة بتسلّم اللقاحات للمجتمع المدني مش للحكومة، لأن الأحزاب رح يوزعوهن على جماعاتهم، ونحنا نطلع بلّوشة».

يخبرك منشور الشابة اللبنانية بولين أبي كرم على «فيسبوك» الكثير عن نظرة اللبنانيين لحكومة بلادهم، فالعلماء الألمان تمكنوا، حسب دراسة نشرتها «آي بي سي نيوز» قبل يومين من مساعدة فئران مشلولة على السير مجدداً، والمسؤولون اللبنانيون ما زالوا عاجزين عن تأمين البديهيات لشعبهم.

منذ اندلاع ثورة أكتوبر 2019 وما تلاها من انهيار اقتصادي ومالي وتفشٍّ لوباء كورونا، وتفجير المرفأ في أغسطس الماضي، يتسابق الوزراء ورؤساء الأحزاب والزعماء الى التشكّي للمواطنين على شاشات التلفزة، بدل الانكباب على اجتراح الحلول، ما يعكس درجة العجز المكتسب المتسّيد هنا، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند زيارته بيروت، بُعيد تفجير المرفأ، إلى إعلانه عن تسليم المساعدات الدولية إلى منظمات المجتمع المدني لا للحكومة، بعد فقدان المجتمع الدولي الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة.

تلعب الجمعيات الأهلية دوراً طليعياً في إنعاش المجتمع اللبناني منذ أعوام، ومبادرة ماكرون بتجيير المعونات الدولية إليها كرّستها رديفاً للحكومة اللبنانية بشكل أو بآخر.

«بيت البركة».. جمعية المسنّين وفاقدي وظائفهم

كانت مايا إبراهيم شاه، مؤسسة «بيت البركة» في طريقها إلى برج حمود، شمالي بيروت، عندما رأت سيدة مسنّة متأنقة تجلس على شنطة سفر الى جانب الطريق، ثم عادت لتراها مرة ثانية عند مرورها بعد أربعة أيام من المكان نفسه، فترجلت من سيارتها وحاولت التحدث إلى المجهولة الحزينة، لكن الأخيرة لم تنبس ببنت شفة، ما أثار فضول مايا أكثر، فقررت الجلوس على الرصيف، قبالة المرأة، وبدأت بسرد قصص حياتها الشخصية، لعلها تتمكن من انتزاع البوح من الغريبة، لترى بعد أكثر من 40 دقيقة من الكلام الدموع تنهر من عيني المدرّسة، التي أفنت سنوات عمرها في تعليم اللغة الفرنسية، لينتهي بها الأمر مشردة في سبعينها.

«قد تصادف سائق أجرة تسعينياً في بيروت لم يتوقف عن العمل رغم تقدمه في السن، فلا معاشات تقاعدية، ولا ضمان للشيخوخة في لبنان»، تقول مايا، التي افتتحت «بيت البركة» لتوزيع المؤن بداية، أواخر عام 2018، ليتحول إلى «سوبرماركت» أو جمعية مجانية للمسنّين، الذين يفتقرون إلى معيل، وللشبان المنتمين إلى الطبقة المتوسطة، الذين فقدوا وظائفهم جراء الأزمات المتلاحقة في العامين الأخيرين.

«نستقبل من تقطّعت بهم السبل، ولا نقوم بتوزيع الحصص الغذائية عليهم، بل نعرض المنتجات على الأرفف، بحيث يمكنهم زيارة البيت، للتبضع بأريحية متى شاؤوا»، تخبرنا مايا، مضيفة أن القيمين على الجمعية باشروا بزراعة الحبوب والخضروات أخيراً، وهم ينتجون البيض والألبان والأجبان، وغيرها من المؤن العالية الجودة لبيعها في الأسواق المحلية والخارجية، من أجل ضمان استمرارية البيت وتخفيف الاعتماد على التبرعات.

تخطى عدد المستفيدين من خدمات «بيت البركة» الـ226 ألف مواطن لبناني حتى الآن، وبعد وقوع انفجار المرفأ وسّع البيت نشاطاته لتشمل مساعدة الأهالي على دفع أقساط المدارس لأبنائهم، وتزويدهم بمستلزمات الدراسة وترميم المنازل والمحال التجارية المتضررة.

«ريستورينغ بيروت» مبادرة نسائية من أجل «الكرامات المنتهكة»

هي وليدة التعاون بين سيدات لبنانيات لامستهنّ المشاهد المأساوية للدمار والضحايا في بيروت، بعيد تفجير أغسطس، فبادرن إلى التواصل مع أصحاب الأيادي البيضاء، من أجل ترميم كرامات الناس، لا بيوتهم، على حد تعبير دينا عازار العضوة المؤسسة للجمعية. وتضيف: «رحلت أمي قبل عام، وأشارك الآن من خلال ريستورينغ بيروت مشاعر حبي لوالدتي مع مسنين فقدوا مساكنهم»، مشيرة إلى الوحدة التي يشعر بها مسنّو بيروت، والدفء الذي تمكنت من إدخاله إلى أكثر من 70 منزلاً عبر تأمينها لخدمات الترميم وصيانة الكهرباء والتمديدات الصحية وتزويدها بالأدوات الكهربائية والأثاث وغيرها.

«أول المتبرعين كان زوجي الذي تكفل برواتب المهندسين المشرفين على ورش الصيانة»، تقول دينا، لتستفيض مجدداً عن كم الوحدة الذي رأته في بيوت عجائز العاصمة، وعن حلمها بتأسيس بيت مجاني يجمع هؤلاء خلال النهار، ليتناولوا الأطعمة ويلعبوا الورق ويتجاذبوا أطراف الحديث. وتكمل: «أواظب على الاتصال بهم من وقت إلى آخر، ليكرروا على مسامعي بأنهم لا يريدون مني سوى معاودة الاتصال للسؤال عنهم».

«إمبرايس».. الحكي بيطوّل العمر

«في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، اليوم أكثر من أي وقت، الوصول الى خدمات الصحة النفسية حق من حقوق الإنسان، وليس امتيازاً! مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 9031 والمتعلق برعاية وعلاج وحماية المصاب بمرض عقلي أو نفسي عالق كسائر القوانين في المجلس النيابي».

من خلال تغريدتها هذه، تسلط ميا عطوي، العضوة المؤسسة لجمعية «إمبرايس» الضوء على آلام الأفراد الذين يعانون تحديات نفسية، أو الصابرين، كما تسميهم نقيبة المعالجين والمحللين النفسيين في لبنان، البروفيسورة رجاء مكي، وخذلان سلطة البلاد التشريعية وأكلاف العناية النفسية المرتفعة في لبنان لهم.

«إمبرايس» جمعية لبنانية تأسست عام 2013 بالتعاون مع قسم الطب النفسي في الجامعة الأميركية في بيروت، وهي تعمل جنباً الى جنب مع وزارة الصحة في إطار البرنامج الوطني لدعم الصحة النفسية المدعوم من قبل منظمات دولية، وأطلقت الجمعية عام 2017 خطاً ساخناً للوقاية من الانتحار وتقديم الدعم النفسي، الذي يعد الأول من نوعه في العالم العربي.

«الحكي بيطول العمر»، هو شعار «إمبرايس» التي تلقت أكثر من 6100 اتصال على خطها الساخن، خلال عام 2020 وقدمت الاستشارات النفسية المجانية والأدوية لأكثر من 600 صابر.

«ازدادت أعداد مُراجعيَّ في أغسطس الماضي بشكل ملحوظ بعيد التفجير، لكن أعداد المرضى الذين يشكون الكآبة، اليأس، القلق، نوبات الهلع، التوتر، والأعراض النفس – جسدية ما زالت في ارتفاع حتى الآن»، تقول المعالجة النفسية زينة شمس الدين.

حملة دفا.. من نشاط سنوي لتأمين كسوة الشتاء إلى حملة يومية

أطلقت الإعلامية والنائبة اللبنانية المستقيلة بولا يعقوبيان حملة دفا لتوزيع كسوة الشتاء عام 2013. كانت الحملة سنوية لأعوام، إلا أن تردي الأوضاع أخيراً حولها إلى يومية.

لا تستقبل دفا أي تبرعات مالية، بل عينية فقط.

«حاجة الناس تكبر، وبالإضافة الى توزيع الألبسة والمواد الغذائية والأدوية ومواد التنظيف والتعقيم والأدوات الكهربائية، تمكنت الحملة من إعادة إعمار أكثر من 300 منزل بعد الانفجار»، تقول يعقوبيان لـ القبس، مناشدة كل من يقرأ ذلك إرسال أي دعم عيني للحملة، لا سيما الأدوية التي باتت شبه مفقودة في الصيدليات اللبنانية.

«سنَد».. رعاية صحية في المنازل ودعم للطاقات الشبابية

تقدم جمعية «سند» خدمات العناية التمريضية للمصابين بأمراض مزمنة وترعى المسنّين في منازلهم مجاناً، لكن سند الصحية يقابلها «سند» آخر شمالي لبنان؛ هو مركز «سند» لدعم الطاقات الشبابية.

تأسس مركز سند في مدينة طرابلس في صيف 2020 مع فقدان الكثير من شبان وشابات الشمال لوظائفهم بسبب الأوضاع الاقتصادية والصحية.

«سند يعطي سنّارة صيد لا سمكة»، تقول فضيلة أفيوني، مؤسسة المركز الأشبه بالمنصة التي تجمع جلساء الأطفال والمسنّين والجلساء المتخصصين بالتربية التقويمية ورعاية ذوي الحاجات الخاصة والمدرّسات بالباحثين عن خدماتهم.

«راودتني فكرة إنشاء المركز بعد احتياجي لجليسة لطفلتي لكنني لم أعثر على شابة موثوقة ذات مرجعية مسؤولة عنها»، تقول أفيوني، التي أكدت أن المركز يتقاضى نسبا رمزية لقاء خدماته من أجل استمرارية برامج إعداده وتدريبه للطاقات الشبابية تحضيراً لانخراطها في سوق العمل.

بالرغم من نظرة اللبنانيين الإيجابية عموماً لمؤسسات المجتمع المدني، تراود البعض شكوكاً حول أهدافها السياسية، وهناك من يضع علامات استفهام حول القيمين عليها.

«الكثير من هذه الجمعيات تتبع لسياسيين ولزوجاتهم ومن لف لفيفهم، يستحصلون على أموال طائلة من سفارات ومنظمات دولية ورجال أعمال للاستحواذ عليها باسم خدمة المجتمعات الأكثر فقراً»، يقول القانوني والمحاضر الجامعي د. علي قانصو.

ثمة من يرى أن العمل الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات المدنية يدعم بقاء الأخطبوط الحاكم بشكل غير مباشر، وفي هذا السياق تعتبر بولا يعقوبيان أن التخفيف من آلام الناس عبر مساعدتهم قد يشعرهم بالراحة ويحول دون خروجهم للتنديد بالواقع السياسي، لكن لا مفر من هذه المبادرات. وتضيف: «من واجبنا الوقوف إلى جانب الناس، والسياسيون مهتمون بالصفقات ويقومون باستخدام مؤسسات الدولة لمصالحهم الخاصة، لا مصالح الناس. هم تخلوا عن واجبهم المتمثل بتحقيق الأمن الاجتماعي، ويقدمون المساعدات الزبائنية المشروطة بالولاء، أما نحن فنساعد جميع الشرائح، دون أهداف مبيتة، وهنا يكمن الفارق بين تعاطي الأحزاب وتعاطي مؤسسات المجتمع المدني مع اللبنانيين»، تقول يعقوبيان مختتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى