تقارير

فقراء طرابلس يوقدون انتفاضة لبنان: الرغيف قبل الكمامة

احتجاجات ضد الإغلاق.. وملامح انفجار اجتماعي بصاعق «كورونا»

بيروت – أنديرا مطر

«موتوا من الجوع على السكت.. ممنوع تحكوا بتصيروا إرهابيين بعيون أهل السلطة»، يقول أحد أبناء طرابلس، منتقدا استخدام العنف من قبل الدولة لقمع التحركات الشعبية التي شهدتها المدينة مساء الاثنين احتجاجا على قرار الاغلاق العام وتردي الأوضاع الاقتصادية الى مستويات خطيرة.

وفي خضم معاناة اللبنانيين اليومية في مواجهة أوضاعهم البائسة على مختلف الصعد، برزت مخاوف جدية من تدهور الأوضاع الاجتماعية وخروجها عن السيطرة كما حصل في طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني و«عروسه».

فبعد اسبوعين على الاغلاق العام المشدد والمترافق مع حظر تجول على مدار الساعة، خرج آلاف الشبان في المدينة من المياومين والعاطلين عن العمل الى الشوارع، مطالبين بفك الاغلاق وتأمين تعويضات لهم. وتخلل هذه التحركات مواجهات عنيفة بينهم وبين عناصر الجيش اللبناني، انتهت بوقوع عدد من الجرحى.

محمّد البيروتي الناشط في لجان تتولى متابعة شؤون الفقراء في طرابلس حذّر من أنّ «الوضع المعيشي مقبل على انفجار شعبي، وما حدث ليلًا ليس إلا مقدمة». ولفت بيروتي الى أن «معظم الذين لا يلتزمون بقرار الإقفال هم من المياومين، أي أنّهم في اليوم الذي لا يعملون فيه لا يأكلون».

ويشكل المياومون نحو %50 من اليد العاملة اللبنانية بحسب تقديرات وزارة العمل. ولا يستفيد هؤلاء من أي تقديمات اجتماعية أو صحية، باستثناء مبلغ 400 ألف ليرة ( تعادل 50 دولاراً) شهرياً تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية لنحو 230 ألف أسرة، ولا يكفي لتأمين حاجات أساسية. في حين ان 25 في المئة فقط من اللبنانيين لا يحتاجون إلى مساعدة وفق تصريح لوزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية.

ويعيش أكثر من نصف سكان طرابلس تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة. ويرجّح أن تكون النسبة ارتفعت على وقع الانهيار الاقتصادي.

وتذكر ناشطة لبنانية بأن كل مناطق لبنان حظيت برعاية حزب او زعيم، أمن لها الأدوية، والأكسجين والمازوت والمساعدات الا طرابلس فهي مكسورة ويتيمة ولا يتذكروها الا بالانتخابات.

إعلام مواكب.. للسلطة!

واجهت السلطة محتجي طرابلس المعدمين كما واجهت التحركات الاحتجاجية ابان انتفاضة 2019، بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، مدعومة هذه المرة بشحن اعلامي دأب منذ تفشي كورونا في لبنان على تقريع المواطن وتحميله مسؤولية انتشار الوباء، وارتفاع عدد الإصابات والوفيات، بل تحميله المسؤولية عن تداعي القطاع الاستشفائي باستهتاره وقلة مسؤوليته، وعدم تقيده بالإجراءات الوقائية.

وفق السلطتين الرسمية والإعلامية لا أسباب موجبة لاستهتار اللبناني: لا الأزمة الاقتصادية وما خلفته من بطالة وفقر، ولا احتجاز المصارف لودائع اللبنانيين، ولا تخبط الحكومة وقراراتها العشوائية في معالجة هذا الملف. كل هذه العوامل غابت في تحالف مستجد بين سلطتي الدولة والاعلام لتلقي تبعات الوباء على المواطن «الحربوق»، الذي يتحايل على القانون وفق توصيفهم.

وزراء في الحكومة اعتبروا ان اللبناني متخلف ويلزمه 30 سنة ليلتحق بركب الدول المتحضرة. اما قنوات التلفزة فدأبت على مخاطبة مشاهديها بصفتهم «بلا مخ». وفي فترة الاغلاق، نزل مراسلوها الى الطرقات لرصد المخالفات في زمن منع التجول ممارسين دور الشرطي.

سائق اجرة طرابلسي يجيب إحدى المراسلات عن سؤال حول عدم التزامه بالإقفال قائلاً «لست ملتزما لأن بدي أمن لقمة العيش»، فتعقب على جوابه بالقول «عذر أقبح من ذنب»!

ويقول بائع خضار هو أب لستة أولاد، بانفعال، «لا أخاف من كورونا، إنما تخيفني الحاجة والفقر». ويضيف «يخيفني أن يمرض أولادي ولا أجد لهم دواء في الصيدليات». ويصف اسماعيل أسعد (43 عاماً)، وهو نجّار وأب لسبعة أولاده عمر أكبرهم 19 عاماً، بدوره الوضع بـ«المأساوي».

في برمانا، المنطقة الجبلية المطلة على بيروت، لم يتلق جورج منذ نحو أسبوعين أي اتصال لطلب خدماته في مجال الكهرباء. ويقول «أفكر يومياً كيف يمكنني أن أتفادى دفع تكاليف أو فواتير.. والأسعار لا ترحم». كما تطال تداعيات الإغلاق المشدد كذلك مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين يعيشون أساساً ظروفاً صعبة.

ورقة انتخابية

وفي وقت ينتظر غالبية اللبنانيين وصول اللقاح بدأت قوى وأحزاب سياسية تسوّق بأنها ستبادر الى استيراده، مؤكدة انها ستعطيه وفق الأولويات التي اعتمدتها وزارة الصحة. وأثارت هذه الاخبار انتقادات مجموعات مدنية رأت ان الأحزاب تستكمل اجهازها على الدولة وتعمد الى استخدام اللقاح ورقة انتخابية، في المقابل، رحب عدد كبير من اللبنانيين بهذه الخطوة في ظل شكوك بقدرة الدولة على استيراد اللقاح بالسرعة المطلوبة كما بتوزيعه بشكل عادل.

وفي السياق، أعلنت وزارة الصحة ان اطلاق الخطة الكاملة لعملية التلقيح ستنطلق اليوم من السراي الحكومي، حيث سيتم تفصيل المراكز والفئات التي ستحصل على اللقاح على مراحل، في حين أن اطلاق المنصة سيحصل الخميس.

مبادرة إنسانية لسائقي الأجرة

وفي غياب مبادرات رسمية تؤمن بدائل لتحفيز الناس على الالتزام بالإغلاق، تبرز مبادرات شعبية فردية، سواء عبر منظمات المجتمع المدني او الجمعيات الخيرية لكنها لا تكفي. قبل يومين انتشر فيديو على مواقع التواصل يظهر عددا من الشبان يستقلون سيارة أجرة، ويدفعون للسائق مبلغ 200 ألف ليرة بدل التسعيرة المعتمدة وهي 3 آلاف. يصور الفيديو ردة فعل السائقين المصدومين من هذه المبادرة وبعضهم اختنق الكلام في حنجرته. وقال سائق ثلاثيني فور تلقيه المبلغ: كم كنت بحاجة اليه، في حين اجهش رجل سبعيني بالبكاء، وقال انه لن ينسى هذا المعروف في حياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى