الشرق الأوسط

لبنان يحتضر في مئويته الأولى.. 2020 عام بألف عام

بيروت – أنديرا مطر –

يفتتح لبنان مئويته الثانية في 2021، بلداً متعثراً فاقداً لكل المقومات التي صنعت عصره الذهبي في مراحل من تاريخه، لاسيما في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
أطاحت الازمة الاقتصادية المالية السياسية المتشابكة بقطاعات جعلت في السابق من لبنان قبلة العرب وملاذهم الآمن. وكان لانهيار القطاع المصرفي أثره البالغ في باقي القطاعات، فلم يعد لبنان مدرسة المنطقة بعد ترنح الكثير من الجامعات الخاصة تحت وطأة أزمة الدولار، كما فقد دوره كمستشفى للشرق الاوسط بسبب أزمة الدولار وهجرة العاملين في القطاع الطبي، اما قطاع الخدمات والسياحة فيعيش قحطا مستمرا منذ عام يتجلى بالأرقام المنخفضة، وشبه المعدومة للسياح.
كيف سيتذكر اللبنانيون سنة 2020، الأشد قتامة في تاريخهم، والتي افتتحت بانتفاضة شعبية واعدة بقيام دولة مدنية تنهي عقوداً من الفساد والارتهان فانتهت بتبدد الآمال وبتمنيات مضمرة بالعودة الى ما قبل 2020 في ظل انهيارات متمادية مفتوحة على الأخطر.

سنة الانفجار المروع


صحيفة «لوموند» الفرنسية كتبت الأربعاء ان كل لبناني يتذكر يوم 4 اغسطس، أين كان وماذا كان يفعل. تلك اللحظة التراجيدية لانفجار مرفأ بيروت كانت بمنزلة اعلان موت العاصمة وموت أحلام أبنائها الذين باتوا أسماء في قوائم الاعاشات الدولية.
باختصار، هي سنة الانفجار المروع والانهيار الاقتصادي-المالي، والتعثر السياسي المفتوح على المجهول وتنامي المشاريع التغييرية من اعادة تكوين السلطة الى اللامركزية الموسعة الى الفدرالية وليس آخرها احلال المثالثة بدل المناصفة.
هو عام ازدراء الطبقة السياسية والالتصاق بها على حد سواء. والا كيف يمكن تفسير التفاوت الكبير بين ارقام الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «الباروميتر العربي» الأميركية، على خمسة بلدان عربية، بالنسبة لثقة الناس بحكوماتهم، والذي حازت فيه السلطة في لبنان %6 فقط من ثقة المواطنين، وبين تصلب جماهير الأحزاب في الدفاع عنها الى حد النزول الى الشارع ومهاجمة المنتفضين؟


اقتصاد ينهار تباعاً 
بدأ اللبنانيون عامهم الجديد، مع سعر صرف لليرة تجاوز عتبة الـ2100 ليرة مقابل الدولار الواحد وانتهى بـ8500، فيما سعر الصرف الرسمي كان ولا يزال حتى اليوم 1515 ليرة، فيما بات يسمى بـ «لولار» او الدولار الوهمي. ازمة شح الدولار في بلد مدولر بنسبة 85 في المئة حولته الى بلد شبيه بسوريا، حيث الدولار شبه مفقود ويتم التعامل به في السوق السوداء حصرا.
وبسبب ازمة شح الدولار، انهارت العملة الوطنية، وصودرت ودائع اللبنانيين، ووصل القطاع المصرفي إلى درك لم يعد من إمكان لقيامته.
دخل لبنان 2020 بقطاع مصرفي مفلس، ومصرف مركزي متعثّر، وأعلنت الدولة رسميّاً امتناعها للمرة الأولى عن سداد سندات اليوروبوند لتصبح دولة متعثرة. وامعانا في تخبطها، أخفقت الحكومة في صياغة خطّة للنهوض، ودخلت المماحكات السياسية لتفشل المفاوضات مع صندوق النقد ولينتهي الرهان على اي أمل.
للازمة الاقتصادية جذورها وتاريخها، وهي كانت معدة لانفجار الفقاعة التي يعيش فيها البلد. لكن وباء كورونا وما تبعه من تعبئة واقفال عام اودت بالاقتصاد المنهك الى الاحتضار مع اقفال الكثير من المؤسسات ابوابها وتعطل اعمال العمال المياومين.. أمّا كارثة انفجار 4 اغسطس، فكان رصاصة الرحمة على هذا القطاع.

عام الافلاس والفقر.. والهجرة

تجلت مظاهر التراجع لدى كل شرائح المجتمعات مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب تهاوي سعر صرف الليرة. وتوسعت ظاهرة إفلاس المؤسسات التجاريّة، وفقاً لأرقام جمعيّة تجّار بيروت، بلغت نسبة المحال التجاريّة التي أقفلت بالفعل أو دخلت مرحلة التصفية تمهيداً للإقفال نحو %40 حتّى الآن، بينما من المتوقّع أن ترتفع هذه النسبة إلى حدود %60 خلال الأشهر القليلة المقبلة. وهناك عشرات المحال التي تقفل شهرياً في شوارع بيروت، التي شهدت رحيل «الماركات» العالمية عنها. كل هذه الإفلاسات التي ضربت القطاع التجاري، ارتفعت معدلات البطالة، ومعها ارتفعت أعداد المهاجرين بحثاً عن فرص عمل في الخارج.
وفقاً لأرقام مطار بيروت الدولي، بلغ عدد المغادرين هذا العام وحتّى نهاية شهر نوفمير الماضي ما يقارب المليون و167 ألف مغادر، فيما بلغ عدد القادمين من الخارج ما يقارب المليون و17 ألف مسافر. مع العلم أن حالة الإقفال التي سادت معظم دول العالم هذه السنة، وتشدد الدول في منح تأشيرات السفر نتيجة ذلك، حالت دون تسجيل أرقام أعلى. وهو ما يعني أن هذه الأرقام في طريقها إلى تسجيل مستويات أعلى بكثير هذه السنة.
في آخر تقارير البنك الدولي كلام عن أن الفقر في لبنان يسجل منحىً تصاعدياً خطيرا، فهو بات يطول %65 من السكان بعد أن كان يسجل %27 سنة ٢٠١٥. فيما سجلت عمليات سرقة السيارات نسبة %120، مع تضاعف في جرائم القتل.
انطوى هذا العام، غير ان ارقامه من الصعب ان تطوى، سيرثها العام الجديد الذي يستقبله اللبنانيون بفراغ حكومي، على وقع الصراعات المستمرة على كيفية تشكيل الحكومة وتوزيع الحصص فيها. وهو ما يعطل اي مبادرات لانتشال لبنان من غرقه الذي يتعمق على وقع اتفاقيات التطبيع والسلام التي حصلت أخيراً في المنطقة، والتي تنذر بذهاب ما تبقى له من دور المنطقة.

رجل العام.. فراس الأبيض

عام وباء كورونا عالميا. لكنه عام الانتقال بين «لا داعي للهلع» و «الشعب البلا مخ» وفق مقدمة قناة «ال بي سي» الشهيرة تقريعا للمواطنين غير الآبهين بالوباء. كان يمكن ان يكون كورونا اخف وطأة في بلد متعاف، لكنه في لبنان اتى ليكمل دائرة النكبات.
وفي هذه المشهدية برز رجلان: وزير الصحة حمد حسن وصورته راقصا بالسيف مزهوا بانتصاره على الوباء، ومدير مستشفى رفيق الحريري فراس الابيض الذي استحق عن جدارة لقب رجل العام طبياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى